الخميس، 18 أغسطس 2011

تفسير قوله تعالي "أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ "


ترد لفظة الارض في القرآن الكريم بمعني الكوكب ككل, كما ترد بمعني اليابسة التي نحيا عليها من كتل القارات و الجزر البحرية و المحيطية, و إن كانت ترد ايضا بمعني التربة التي تغطي الصخور اليابسة.

ولانقاص الأرض من أطرافها في إطار كل معني من تلك المعاني من الدلالات العلمية التي نحصي منها مايلي:

أولا: في إطار دلالة لفظة الأرض علي الكوكب ككل

ا) انقاص الأرض من أطرافها بمعنب انكماشها علي ذاتها و تناقص حجمها باستمرار
تاريخ الأرض يشير الي ان حجم الأرض الابتدائية -بعد الانفجار العظيم- كان علي الأقل يصل إلي مائة ضعف حجم الأرض الحالية و المقدر بأكثر قليلا من مليون مليون و ثلاثمائة و خمسين ألف كيلومتر ممكعب, و أن هذا الكوكب قد أخذ منذ اللحظة الأولي لخلقه في الانكماش علي ذاته من كافة أطرافه, و كان انكماش الأرض علي ذاتها سنة كونية لازمة للمحافظة علي العلاقة النسبية بين كتلتي الأرض و الشمس, هذه العلاقة التي تضبط بعد الأرض عن الشمس, ذلك البعد اللذي يحكم كمية الطاقة التي تصل الينا.

ب) إنقاص الأرض من أطرافها بمعني تفلطحها عند القطبين, و انبعاجها قليلا عند خط الاستواء:
أثبت نيوتن نقص تكور الأرض و علله بأن مادة الأرض لا تتأثر بالجازبية نحو مركزها فحسب, و لكنها تتأثر كذلك بالقوة الطاردة المركزية الناشئة عن دورانن الأرض حول محورها, وقد نتج عن ذلك انبعاج بطئ في الأرض و لكنه مستمر عند خط الاستواء, حيث تزداد القوة الطاردة المركزية الي ذروتها, و تقل قوة الجاذبية الي المركز الي ادني قدر لها, و يقابل ذلك الانبعاج الاستوائي تفلطح قطبي غير متكافئ عند قطبي الأرض حيث تزداد قوتها الجاذبة, و تتناقص قيمة القوة الطاردة المركزية.

و المنطقة القطبية الشمالية أكثر تفلطحا من المنطقة القطبية الجنوبية.

ج) إنقاص الأرض من أطرافها بمعني اندفاع قيعان المحيطات تحت القارات و انصهارها و ذلك بفعل تحرك ألواح الغلاف الصخري

ثانيا: في إطار دلالة لفظة الأرض علي اليابسة التي نحيا عليها

أ) إنقاص الأرض من أطرافها بمعني أخذ عوامل التعرية المختلفة من المرتفعات و إلقاء نواتج التعرية في المنخفضات من سطح الأرض حتي تسوية سطحها و هو ما يعرف باسم دورة التسهيب.

ب) إنقاص الأرض من أطرافها بمعني صغيان مياه البحار و المحيطات علي اليابسة و إنقاصها من أطرافها
و تؤدي حركة المياه في البحار و المحيطات (من مثل التيارات المائية, و عمليات المد و الجزر, و الأمواج السطحية و العميقة) إلي ظاهرة التأكل (النحات) البحري و هو الفعل الهدمي لصخور الشواطئ و هو من عوامل إنقاص الأرض (اليابسة) من أطرافها.

ثالثا:في إطار دلالة لفظة الأرض علي التربة التي تغطي صخور ليابسة

إنقاص الأرض من أطرافها بمعني التصحر, اي زحف الصحراء علي المناطق الخضراء و انحسار التربة الصالحة للزراعة في ظل إفساد الإنسان للبيئة علي سطح الأرض.


الثلاثاء، 26 أبريل 2011

تفسير الأية رقم (36) للسورة رقم (36)


بسم الله الرحمن الرحيم
"سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ"
صدق الله العظيم
يس الأية (36)

جاء في: "الدر المنثور في التفسير بالمأثور " للمؤلف : السيوطي

أخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله {سبحان الذي خلق الأزواج كلها} قال: الأصناف كلها. الملائكة زوج، والأنس زوج، والجن زوج، وما تنبت الأرض زوج، وكل صنف من الطير زوج، ثم فسر فقال {مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون} الروح لا يعلمه الملائكة ولا خلق الله، ولم يطلع على الروح أحد وقوله {ومما لا يعلمون} لا يعلم الملائكة ولا غيرها.


و جاء في :"تفسير القرطبي المسمى بـ «الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان» " للمؤلف : القرطبي

قوله تعالى{سبحان الذي خلق الأزواج كلها} نزه نفسه سبحانه عن قول الكفار؛ إذ عبدوا غيره مع ما رأوه من نعمه وآثار قدرته. وفيه تقدير الأمر؛ أي سبحوه ونزهوه عما لا يليق به. وقيل: فيه معنى التعجب؛ أي عجبا لهؤلاء في كفرهم مع ما يشاهدونه من هذه الآيات؛ ومن تعجب من شيء قال: سبحان الله! والأزواج الأنواع والأصناف؛ فكل زوج صنف؛ لأنه مختلف في الألوان والطعوم والأشكال والصغر والكبر فاختلافها هو ازدواجها. وقال قتادة: يعني الذكر والأنثى. {مما تنبت الأرض} يعني من النبات؛ لأنه أصناف. {ومن أنفسهم} يعني وخلق منهم أولادا أزواجا ذكورا وإناثا. {ومما لا يعلمون} أي من أصناف خلقه في البر والبحر والسماء والأرض. ثم يجوز أن يكون ما يخلقه لا يعلمه البشر وتعلمه الملائكة. ويجوز ألا يعلمه مخلوق. ووجه الاستدلال في هذه الآية أنه إذا انفرد بالخلق فلا ينبغي أن يشرك به.


كما جاء في: "التفسير الكبير" للمؤلف : الإمام فخر الدين الرازي أبو عبد الله محمد بن عمر بن حسين القرشي الطبرستاني الأصل

ثم قال تعالى : ( سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون ) قد ذكرنا أن لفظة سبحان علم دال على التسبيح ، وتقديره : سبح تسبيح الذي خلق الأزواج كلها ، ومعنى سبح نزه ، ووجه تعلق الآية بما قبلها هو أنه تعالى لما قال : ( أفلا يشكرون ) وشكر الله بالعبادة ، وهم تركوها ولم يقتنعوا بالترك ، بل عبدوا غيره وأتوا بالشرك ، فقال : ( سبحان الذي خلق الأزواج ) وغيره لم يخلق شيئا ، فقال أو نقول : لما بين أنهم أنكروا الآيات ولم يشكروا بين ما ينبغي أن يكون عليه العاقل ، فقال : ( سبحان الذي خلق الأزواج كلها ) أو نقول : لما بين الآيات قال : ( سبحان الذي خلق ) ما ذكره عن أن يكون له شريك أو يكون عاجزا [ ص: 61 ] عن إحياء الموتى وفيه مسائل :

المسألة الأولى : قوله : ( كلها ) يدل على أن أفعال العباد مخلوقة لله ؛ لأن الزوج هو الصنف ، وأفعال العباد أصناف ولها أشباه واقعة تحت أجناس الأعراض ، فتكون من الكل الذي قال الله فيها : إنه خلق الأزواج كلها ، لا يقال : مما تنبت الأرض ، يخرج الكلام عن العموم ؛ لأن من قال : أعطيت زيدا كل ما كان لي يكون للعموم إن اقتصر عليه ، فإذا قال بعده : من الثياب لا يبقى الكلام على عمومه ؛ لأنا نقول ذلك إذا كانت من لبيان التخصيص ، أما إذا كانت لتأكيد العموم فلا ، بدليل أن من قال : أعطيته كل شيء من الدواب والثياب والعبيد والجواري يفهم منه أنه يعدد الأصناف لتأكيد العموم ، ويؤيد هذا قوله تعالى في حم : ( والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون ) ( الزخرف : 12 ) من غير تقييد .

المسألة الثانية : ذكر الله تعالى أمورا ثلاثة ينحصر فيها المخلوقات فقوله : ( مما تنبت الأرض ) يدخل فيها ما في الأرض من الأمور الظاهرة كالنبات والثمار ، وقوله : ( ومن أنفسهم ) يدخل فيها الدلائل النفسية ، وقوله : ( ومما لا يعلمون ) يدخل ما في أقطار السماوات وتخوم الأرضين ، وهذا دليل على أنه لم يذكر ذلك للتخصيص بدليل أن الأنعام مما خلقها الله والمعادن لم يذكرها ، وإنما ذكر الأشياء لتأكيد معنى العموم كما ذكرنا في المثال .

المسألة الثالثة : قوله ( ومما لا يعلمون ) فيه معنى لطيف وهو أنه تعالى إنما ذكر كون الكل مخلوقا لينزه الله عن الشريك فإن المخلوق لا يصلح شريكا للخلق ، لكن التوحيد الحقيقي لا يحصل إلا بالاعتراف بأن لا إله إلا الله ، فقال تعالى : اعلموا أن المانع من التشريك فيما تعلمون وما لا تعلمون ؛ لأن الخلق عام والمانع من الشركة الخلق ، فلا تشركوا بالله شيئا مما تعلمون فإنكم تعلمون أنه مخلوق ومما لا تعلمون ، فإنه عند الله كله مخلوق لكون كله ممكنا .

و الله تعالي اعلم

الأحد، 13 مارس 2011

تفسير قوله تعالى ( فَاْليَوْمَ نُنَجِّيْكَ بِبَدَنِكَ )

بسم الله الرحمن الرحيم


هذه الآية من سورة يونس جاءت في معرض الحديث عن موقف من مواقف الطاغية فرعون تجاه نبي الله موسى عليه السلام ومن آمن معه من بني إسرائيل ، وذلك حين سار موسى عليه السلام بالمؤمنين في هجرتهم إلى الأرض المباركة ، فلحقه فرعون وجنوده ليردوهم ويفتنوهم ، وفي طريق الهجرة الطويل اعترضهم البحر جميعا ، فأكرم الله نبيه موسى ومن معه من المؤمنين بأن جعل البحر لهم يابسا يمشون فوقه ، فعبروه أمام أعين أعدائهم ، وهم ينظرون!!

فما كان من عدو الله فرعون إلا أن استخفه الطغيان ، وأهوى به الطيش والحمق ، فركب البحر خلف موسى ومن معه ، ليكون هلاكه ومن معه بالغرق في نفس البحر الذي جاوزه موسى ومن معه من المؤمنين !!

فلما أحاط الموت بالطاغية من كل مكان ، وتقاذفته لجج البحر وأمواجه ، وأيقن أن الغرق مصيره لا محالة ، قال : ( قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) ، وهيهات هيهات ، قد فات وقت التوبة ، ومضى زمان الإنابة والإيمان حين حل الموت ، وذهب عن الخبيث كل قوة وحيلة !!

ولا شك أن موت هذا الطاغية المسرف في الطغيان في مثل هذا الموقف العظيم من أعظم الآيات التي تبين عاقبة العناد والظلم والاستكبار ، لذلك أراد الله سبحانه وتعالى أن يثبت هذه الآية ويؤكدَها ، ويرفعَ عنها أي شك أو لبس أو إشاعات ، فقضى أن تظهر جثة فرعون هامدة باردة على الشاطئ ، يراها قومه ومن كان يعبده ، فيكون ذلك أبلغ في إقامة العظة والعبرة عليهم . قال الله تعالى : ( فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ، وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ )

يقول ابن كثير رحمه الله : ( قال ابن عباس وغيره من السلف : إن بعض بني إسرائيل شكوا في موت فرعون ، فأمر الله تعالى البحر أن يلقيه بجسده سويا بلا روح ، وعليه درعه المعروفة ، على نجوة من الأرض ، وهو المكان المرتفع ، ليتحققوا موته وهلاكه ، ولهذا قال تعالى : ( فاليوم ننجيك ) أي : نرفعك على مكان بارز من الأرض ، ( ببدنك ) قال مجاهد : بجسدك ، وقال الحسن : بجسم لا روح فيه ، وقال عبد الله بن شداد : سويا صحيحا : أي لم يتمزق ، ليتحققوه ويعرفوه ، وقال أبو صخر : بدرعك . وكل هذه الأقوال لا منافاة بينها كما تقدم والله أعلم .

وقوله : " لتكون لمن خلفك آية " أي : لتكون لبني إسرائيل دليلا على موتك وهلاكك ، وأن الله هو القادر الذي ناصيةُ كلِّ دابةٍ بيده ، وأنه لا يقوم لغضبه شيء ) تفسير ابن كثير (2/565) . بتصرف .

وكذلك كان ، فقد رأى بنو إسرائيل فرعون ميتا رأي العين ، فكان آية لمن رآه حينها ، وكان آية لكل من سمع بقصة هلاكه ممن بعدهم !!

وليس في الآية ما يدل على أن بدنه سيبقى محفوظا إلى يوم القيامة ، كما يتوهم بعض الناس ، فإن ذلك من تحميل القرآن ما لا يحتمل ، إذ لو كان المقصود بقاء جسد فرعون آية لجميع الناس بعده ، يرونه ميتا ويعاينون جثته ، لبقيت جثته معروفة ظاهرة لكل " من خلفه " ، ممن سمع بقصته ، حتى تتم العبرة ، وتظهر الآية ، ويصدق الوعد ؛ فأين ذهبت قصته عن الناس ، حتى عفا أثرها ، وزال ذكرها قرونا متطاولة ، قبل أن يدعي أهل الآثار أنهم اكتشفوا جثة فرعون الذي مات غرقا ؟!!

يقول الشيخ صالح الفوزان حفظه الله : ( ومعنى قوله تعالى : ( لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ) أي : لتكون لبني إسرائيل دليلاً على موتك وهلاكك ، وأن الله هو القادر الذي ناصيةُ كل دابَّة بيده ، لا يقدر أحد على التخلُّص من عقوبته ، ولو كان ذا سُلطة ومكانة بين الناس .

ولا يلزم من هذا أن تبقى جثَّةُ فرعون إلى هذا الزَّمان ، كما يظنُّهُ الجُهَّالُ ؛ لأن الغرض من إظهار بدنه من البحر معرفةُ هلاكه وتحقُّقُ ذلك لمن شكَّ فيه من بني إسرائيل ، وهذا الغرض قد انتهى ، وجسم فرعون كغيره من الأجسام ، يأتي عليه الفناء ، ولا يبقى منه إلا ما يبقى من غيره ، وهو عَجْب الذَّنَبِ ، الذي منه يُرَكَّبُ خلقُ الإنسان يوم القيامة ؛ كما في الحديث ؛ فليس لجسم فرعون ميزةٌ على غيره من الأجسام . والله أعلم ) "المنتقى من فتاوى الفوزان" (1/سؤال رقم 132) .

ولكن يقال هنا : إن حصل وظهرت جثة فرعون من جديد ، وثبت بكلام أهل الخبرة بالتاريخ والآثار أنها الجثة التي ذكر الله في كتابه ، فإنما يكون ذلك إشارة إلى صدق ما أخبر به القرآن من نجاة بدن فرعون .

يقول العلامة الطاهر ابن عاشور رحمه الله : ( ومن دقائق القرآن قوله تعالى : " فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً " ، وهي عبارة لم يأت مثلها فيما كتب من أخبار فرعون ؛ وإنها لمن الإعجاز العلمي في القرآن ، إذ كانت الآية منطبقةً على الواقع التاريخي ) التحرير والتنوير (1/2065) .

والخلاصة : أن بدن فرعون نَجَا يومها من الضياع أو التحلل ، ولا يعني ذلك لزوم بقائه محفوظا إلى يوم القيامة ، فمن ثبت عنده من أهل العلم بالآثار والتاريخ أن بدن فرعون ما زال محفوظا اليوم ، وهو الذي يُعرَض في بعض المتاحف ، فلا يجوز أن يَدَّعِيَ أن هذا الحفظ إنما هو معجزة من الله للناس جميعا ، وإنما هو فقط تصديقٌ تاريخي جاء موافَقَةً لما في القرآن الكريم ، وذلك هو الإعجاز .

والله تعالى أعلم .